fbpx
تحميل .... CLOSE

نبذة عن نشأة الترجمة عند العرب وفضلهم فيها

Breaking
نشأة الترجمة عند العرب

نبذة عن نشأة الترجمة عند العرب وفضلهم فيها

دائما ما يدور النقاش حول بدء العرب في الاهتمام باللغات الأخرى وتعلمها، وترجمة معارف الشعوب الأخرى، حيث غالبا ما يذهب البعض إلى أنها أي الترجمة بدأت في العصر الأموي وازدهرت في العباسي.

لكن المتتبع للسيرة النبوية الشريفة، يجد أن البدايات الأولى للترجمة بدأت في صدر الإسلام زمن الرسول محمد (ص)، وهذا مؤرخ في صحيح البخاري حيث تعلم شاعر الرسول (ص) زيد بن ثابت اللغة العبرية وساعد الرسول في مخاطبة اليهود وترجمة أقوالهم، لأنه كان لا يأمنهم على كتابه، وقد كان ترجمانه بالفارسية والقبطية والحبشية أيضا.

وهنا يتبين أن الترجمة بمفهومها الأولي حينها كانت موجودة، بل كانت ضرورة من أجل التفاهم والتواصل، وإن اتخذت المنحى “الدبلوماسي” لتبليغ الإسلام لزعماء الإمبراطوريات والممالك حينها.

وأقدم بردة في الإسلام تعود إلى عام 22 هجري، وعليها نص باسم عمرو بن العاص، وبه ثلاثة أسطر باليونانية والترجمة بالعربية تحتها، وبالتالي الترجمة ظهرت في صدر الإسلام، وإن ازدهرت وتطورت في العصور اللاحقة.

وبعد وفاة الرسول (ص) ظهرت حاجة العرب إلى العلوم والمعارف، فالإسلام خلق مجتمعا جديدا له عقليته ونمط تفكيره الحياتي الذي نقل عرب الجزيرة من حياة البداوة الساذجة إلى مستوى مدني جديد ومتسع، وهذه النقلة تتطلب منهم التوجه نحو آفاق ومصادر حضارية متقدمة.

حيث كان العرب قبل الإسلام يعانون النقص في مختلف الحقول العلمية والطبية وغيرها من مجالات الفلسفة والرياضيات، ثم بعد عصر الفتوحات والذي بدأ فعليا وتوسع بشكل كبير في العصر الأموي، ظهرت حاجة العرب مدفوعين بنقاء الإسلام وصفاءه عند المسلمين الأوائل إلى تحقيق خطوات نحو المعارف المختلفة، فوجدوا ضالتهم ومفتاح ذلك في ترجمة مختلف العلوم إلى العربية، وخاصة علوم اليونان.

وكذلك، بعد الفتوحات انتشرت اللغة العربية في جميع البلدان الإسلامية، كونها لغة النظام السياسي الرسمي للدولة، وأيضا ظهرت حاجة العرب إلى تعلم لغة الشعوب الأخرى التي وصلها الفتح الإسلامي، من أجل تعليمهم أصول الإسلام وشرح القرآن الكريم ومختلف الجوانب العقائدية والفقهية لتلك الشعوب.

فضلا عن دور التجار الذين وصلوا الهند والصين وغيرها من الأقاليم، حيث ظهرت الحاجة إلى الوسيط (المترجم) لتحسين التواصل بين المتحدثين، وكذلك انتشارها في بلاد فارس (إيران) لأغراض إدارية رسمية بعد الفتح الإسلامي.

وكل ما سبق يبقى مندرجا ضمن خانة الحاجة إلى الترجمة، سواء لنشر الدين الإسلامي أو لأمور إدارية متعلقة بالنظام السياسي للدولة، أو ضرورة التواصل مع الشعوب الأخرى المنضمة حديثا للدولة الإسلامية.

لكن مع بداية العصر الأموي بدأت الترجمة تأخذ طابعا علميا منهجيا، وتبدأ معه تظهر هذه الحركة وفضل العرب فيها.

حيث اتفق المؤرخون العرب والأجانب على أن الأمير خالد بن يزيد هو أول من أمر بنقل المصنفات الإغريقية والسريانية إلى اللغة العربية، وأهمها في مجالات الطب والفلك والكمياء، كما أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز يعتبر أول خلفاء بني أمية الذي أبدى اهتماما بالترجمة، حيث كلف الطبيب اليهودي البَصْري ماسرجويه بعدة ترجمات طبية من السريانية إلى العربية.

بينما نالت الترجمة في العصر العباسي الاهتمام الأعظم سيما عند الخليفة المأمون الذي تأسست في عهده مدرسة علمية مرموقة عرفت باسم بيت الحكمة، والتي كان مقرها بغداد واهتمت بالأبحاث العلمية المتميزة، وكذا الترجمة والتأليف في مختلف المجالات والميادين.

يمكن اعتبار عامل ‘التخصص في الترجمة’ من العوامل المؤثرة في تطور ميدان الترجمة في تلك المرحلة، فقد كان المترجم مطالبا بإتقان اللغة الأصل واللغة المترجم إليها، كما ذكر ذلك الجاحظ في كتابه الحيوان بجزئه الأول.

ومن أشهر المترجمين في العصر العباسي نذكر منهم ثيوفيل بن توما الرهاوي، جورجيس بن جبرائيل، يوحنا بن ماسويه، الحجاج بن يوسف الكوفي، وثابت بن قرة، وحنين بن إسحاق الذي يعد أفضلهم وكبيرهم.

ولقد بلغت الترجمة مكانا عظيما، ولم تقتصر الترجمة على مؤلفات العلماء العرب وحدهم مثل الرازي وابن القاسم وابن سينا وغيرهم إلى اللغة اللاتينية، بل ترجمت أيضا مؤلفات العلماء اليونان إلى اللغة العربية ككتب جالينوس، أبقراط، أفلاطون، أرسطو، أقليدس وغيرهم، فزاد عدد الكتب التي ترجمت إلى اللاتينية خلال القرون 12 و13 و14 عن ثلاثمائة كتاب، والحق كما يقول كلير في كتابة تاريخ الطب، أن القرون الوسطى لم تعرف كتب العالم اليوناني القديم إلا عن طريق اللغة العربية، وبفضل هذه التراجم اطلعت أوروبا على محتويات كتب اليونان التي ضاعت أصولها ككتاب أبولونيوس في المخروطات وشروح جالينوس في الأمراض السارية ورسالة أرسطو في الحجارة، وغيرها.

ولا بد من التأكيد أن دور العرب كبير في الترجمة، ربما لا تتسع هذه السطور للحديث عنه، والتي ربما اختصرت منه اختصارا مخلّا، ولكن خير تعبير عن فضل العرب في الترجمة يتجسد بما قاله المستشرق مسيو ليبري: “إذا محونا العرب من التاريخ لتأخرت نهضة أوروبا في الآداب عدة قرون”.

***********************

المراجع
مفتاح، مؤنس، الترجمة عند العرب: من عهد الخليفة المأمون إلى مدرسة طليطلة، مقال بحثي، القدس العربي، العدد 7945، بريطانيا، 2013.
عاشور، سعيد، حركة الترجمة ودورها في الحضارة الإسلامية، مقال بحثي، موقع قصة الإسلام، 2014.
منظمة المجتمع العلمي العربي، الترجمة العلمية في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية وأثرها في تطور اللغة العربية، ورقة بحثية، 2016.
مظهر، جلال، مآثر العرب على الحضارة الأوروبية، وكالة الصحافة العربية، ص36.

الصحفي: محمد اللكود

اترك تعليقاً